صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

372

الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )

مقصود الشرائع كلها سياقة الخلق إلى جوار الله وسعادة لقائه والارتقاء من حضيض النقص إلى ذروة الكمال ومن هبوط الدنيا إلى شرف الأخرى وذلك لا يتيسر إلا بمعرفة الله ومعرفة صفاته والاعتقاد بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لما مر أن قوام الممكن بالواجب وقوام النفس بالعقل وقوام العقل بالباري جل اسمه وأن النفس الإنسانية في أول الأمر شيء بالقوة شبيهة بالعدم بحسب النشأة الثانية وإن كانت صورة طبيعية متحركة حساسة بحسب هذه النشأة الأولى فإنها حساسة بالفعل علامة بالقوة فما لم يعلم ذاتها بالعبودية وبارئها بالربوبية فلا قوام له في القيامة لما ذكرنا أن قوام العبد بالرب وقوام النفس بالمعرفة وبصيرورتها جوهرا عقليا وعالما ربانيا إلهيا وكما أن العبودية والمربوبية مقوم لها كذلك الإلهية والربوبية عين ذاته تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » أي ليكونوا لي عبيدا وتحققوا به بالعرفان وفيه سر النفس وسر قوله ع : من عرف نفسه فقد عرف ربه وسر قوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ « 2 » فإذا ثبت أن مقصود الشرائع معرفة النفس بقيومها والصعود إلى بارئها بسلم معرفة ذاتها والانتباه من رقدة الطبيعة والخلاص من موت الجهالة والخروج من ظلمات الهواء وغشاوة هذا الأدنى وهذا نوع من الحركة والحركة لا يكون إلا في زمان فالارتقاء من حضيض النقصان إلى ذروة الكمال لا يتحصل إلا في مدة من الحياة الدنيا فصار حفظ هذه الحياة التي هي النشأة الحسية مقصودا ضروريا للدين لأنه وسيلة إليه كما أشار إليه ع بقوله : الدنيا مزرعة الآخرة فكلما يتوقف عليه تحصيل المعرفة والإيمان بالله يكون ضروريا واجبا تحصيله وترك ما يضاده وينافيه .

--> ( 1 ) س 51 ى 56 في بعض النسخ ولهذا قال تعالى وما ( 2 ) س 59 ى 19